( لقاء الله )
... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَايعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ، فمن منا باع نفسه لله ، وانتصر على شيطانه وهواه ، ونال رضا الله وهُداه ، فاجتهد بأعماله ليفوز مع الفائزين وينجو مع الناجين ، فصلّى لربه وصام ، وتصدّق بماله وابتعد عن فعل الحرام ، ووصل رحمه وواسى الفقراء والأيتام ، وابتعد عن أذية المسلمين ، ومن منا غلبه شيطانه واتّبع هواه ، وغرته نفسه وعمّت مصائبه وبلواه ، سيء في تعامله مع ربه ، سيء في تعامله مع نفسه ، سيء في تعامله مع أهله وجيرانه وإخوانه والمسلمين ؟.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر18، 19] نحن بحاجة إلى وقفة مع أنفسنا في الدنيا حتى ننظر ما قدمناه لغد .
كم مضى عليك أيتها النفس من عام ، ومن شهر ، ومن يوم ، ومن ساعة ، ومن دقيقة ، ومن لحظة .
ماذا تكلم هذا اللسان ؟! وماذا رأت هذه العين ؟! وماذا سمعت هذه الأذن ؟! وأين مشت هذه القدم ؟! وبماذا بطشت هذه اليد ؟! ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) [القمر53] .
( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) [الكهف 49] .
كل الناس موقنون بالموت ، مسلمهم وكافرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، صغيرهم وكبيرهم ، ما من أحد منهم يحدث نفسه بالخلود ، لكنَّ الفرقَ بيننا والخلافَ بينهم في كيفية لقاءِ الله ، كل منا على موعد مع هذا اللقاء ، في لحظة قد لا يشعر الإنسان به ، ولا يدري كم بقي على هذا اللقاء من وقت ومن زمن ؟ ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) [الكهف110] عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ . فَقَالَ : «لَيْسَ كَذَلِكَ . وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، فَأَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللّهِ وَسَخَطِهِ ، كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، وَكَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » رواه مسلم في صحيحه .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ» قَالَ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ حَدِيثاً . إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا . فَقَالَتْ : إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللّهِ . وَمَا ذَاكَ ؟ قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوَتَ . فَقَالَتْ : قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللّهِ . وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ . وَلكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الأَصَابِعُ . فَعِنْدَ ذلِكَ، مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ " . رواه مسلم .
لقاءُ الله ما أعظمه من لقاء ، لقاء عظيم ، لقاء يحتاج إلى العمل الصالح من العبد ، يحتاج إلى التوحيد و الإخلاص في القول والعمل والاعتقاد ، يحتاج إلى الصدق مع الله ، إلى حسن الظن بالله ، يحتاج إلى استغلال الأوقات في طاعة الله والقرب منه .
فماذا علمنا لهذا اللقاء العظيم ، وهذا الموعد الحاسم إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ ، وَتَشَنَّجَتِ الأَصَابِعُ ، ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ) [ الأنعام31] .
أعوامٌ تأتي ، وأعوامٌ تذهب ، وأنفسٌ تأتي ، وأنفسٌ تذهب ، نزولٌ وارتحالٌ ، حتى يأتيَ ذلك اليوم الذي يكون الاتحالُ النهائي من هذه الدنيا إلى دار الآخرةِ الدارِ الباقيةِ والدارِ الخالدةِ ( وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) [الأعراف169]
أخي المسلم ، وأنتَ ترى زوالَ الأيام وذهابَ الأعمارِ ، ذكِّر نفسَك بحقيقة الدنيا التي تهفو إليها النفوس ، ذكّرها بأنّ أيامَها ماضية ، وزهرتَها ذائبة ، وزينتَها فانية ، مسَرّاتَها لا تدوم . ذكِّرها بالنعيم المقيم في جنّات الخلود ( أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا ) [الرعد 35].
(أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [فصلت: 40].
في دخول هذا العام قد يكتملُ عُمرُ أحدنا العشرين ، أو الثلاثين ، أو الأربعين ، أو الخمسين ، أو الستين ، أو السبعين ، أو الثمانين ، أو بين ذلك ، وأعمار أمتي ما بين الستين والسبعين ، فما الزاد المقدم في هذه الأعمار ، أرتحال إلى الله ، إلى لقاء الله عبر هذه السنين ، وكم في هذه السنين من مواسمَ للخير ، وموائد للطاعة ، وساعات للتقرب والاستعداد إلى لقاء الله ، فماذا فعلنا بها ؟ ، وماذا عملنا فيها ؟ هل خطونا من خلالها خطوة تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار ، أم ماذا ؟
صيام الاثنين والخميس ، صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، صيام يوم عاشوراء ، صيام رمضان وقيامِهِ ، والعشر الأواخر منه ، وليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ، والعشر الأُول من شهر ذي الحجة ، ويوم عرفة ، والحج إلى بيت الله الحرام ، والزكاة والصدقة ، والصلاة وأعظم بها من عبادة ، صلةُ العبد بينه وبين ربه ، وهي أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ من عمله ، فَإنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ . فهذا حال من يصلي ، فما حال من لم يصل ، وهل له صلاةٌ حتى تصح ؟
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ـ رضي الله عنه ـ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللّهُ. لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ . فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ . وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ . وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ . فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». رواه البخاري ومسلم .
نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا **وَيُحْزِنُنَا بُكَاءُ الْبَاكِيَاتِ
كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِمُغَارِ سَبْعٍ ** فَلَّمَا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ
صيد الفوائد
... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَايعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ، فمن منا باع نفسه لله ، وانتصر على شيطانه وهواه ، ونال رضا الله وهُداه ، فاجتهد بأعماله ليفوز مع الفائزين وينجو مع الناجين ، فصلّى لربه وصام ، وتصدّق بماله وابتعد عن فعل الحرام ، ووصل رحمه وواسى الفقراء والأيتام ، وابتعد عن أذية المسلمين ، ومن منا غلبه شيطانه واتّبع هواه ، وغرته نفسه وعمّت مصائبه وبلواه ، سيء في تعامله مع ربه ، سيء في تعامله مع نفسه ، سيء في تعامله مع أهله وجيرانه وإخوانه والمسلمين ؟.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر18، 19] نحن بحاجة إلى وقفة مع أنفسنا في الدنيا حتى ننظر ما قدمناه لغد .
كم مضى عليك أيتها النفس من عام ، ومن شهر ، ومن يوم ، ومن ساعة ، ومن دقيقة ، ومن لحظة .
ماذا تكلم هذا اللسان ؟! وماذا رأت هذه العين ؟! وماذا سمعت هذه الأذن ؟! وأين مشت هذه القدم ؟! وبماذا بطشت هذه اليد ؟! ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) [القمر53] .
( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) [الكهف 49] .
كل الناس موقنون بالموت ، مسلمهم وكافرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، صغيرهم وكبيرهم ، ما من أحد منهم يحدث نفسه بالخلود ، لكنَّ الفرقَ بيننا والخلافَ بينهم في كيفية لقاءِ الله ، كل منا على موعد مع هذا اللقاء ، في لحظة قد لا يشعر الإنسان به ، ولا يدري كم بقي على هذا اللقاء من وقت ومن زمن ؟ ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) [الكهف110] عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ . فَقَالَ : «لَيْسَ كَذَلِكَ . وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، فَأَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللّهِ وَسَخَطِهِ ، كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، وَكَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » رواه مسلم في صحيحه .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ» قَالَ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ حَدِيثاً . إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا . فَقَالَتْ : إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللّهِ . وَمَا ذَاكَ ؟ قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ » وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوَتَ . فَقَالَتْ : قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللّهِ . وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ . وَلكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الأَصَابِعُ . فَعِنْدَ ذلِكَ، مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ ، أَحَبَّ اللّهُ لِقَاءَهُ . وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ " . رواه مسلم .
لقاءُ الله ما أعظمه من لقاء ، لقاء عظيم ، لقاء يحتاج إلى العمل الصالح من العبد ، يحتاج إلى التوحيد و الإخلاص في القول والعمل والاعتقاد ، يحتاج إلى الصدق مع الله ، إلى حسن الظن بالله ، يحتاج إلى استغلال الأوقات في طاعة الله والقرب منه .
فماذا علمنا لهذا اللقاء العظيم ، وهذا الموعد الحاسم إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ ، وَتَشَنَّجَتِ الأَصَابِعُ ، ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ) [ الأنعام31] .
أعوامٌ تأتي ، وأعوامٌ تذهب ، وأنفسٌ تأتي ، وأنفسٌ تذهب ، نزولٌ وارتحالٌ ، حتى يأتيَ ذلك اليوم الذي يكون الاتحالُ النهائي من هذه الدنيا إلى دار الآخرةِ الدارِ الباقيةِ والدارِ الخالدةِ ( وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) [الأعراف169]
أخي المسلم ، وأنتَ ترى زوالَ الأيام وذهابَ الأعمارِ ، ذكِّر نفسَك بحقيقة الدنيا التي تهفو إليها النفوس ، ذكّرها بأنّ أيامَها ماضية ، وزهرتَها ذائبة ، وزينتَها فانية ، مسَرّاتَها لا تدوم . ذكِّرها بالنعيم المقيم في جنّات الخلود ( أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا ) [الرعد 35].
(أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [فصلت: 40].
في دخول هذا العام قد يكتملُ عُمرُ أحدنا العشرين ، أو الثلاثين ، أو الأربعين ، أو الخمسين ، أو الستين ، أو السبعين ، أو الثمانين ، أو بين ذلك ، وأعمار أمتي ما بين الستين والسبعين ، فما الزاد المقدم في هذه الأعمار ، أرتحال إلى الله ، إلى لقاء الله عبر هذه السنين ، وكم في هذه السنين من مواسمَ للخير ، وموائد للطاعة ، وساعات للتقرب والاستعداد إلى لقاء الله ، فماذا فعلنا بها ؟ ، وماذا عملنا فيها ؟ هل خطونا من خلالها خطوة تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار ، أم ماذا ؟
صيام الاثنين والخميس ، صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، صيام يوم عاشوراء ، صيام رمضان وقيامِهِ ، والعشر الأواخر منه ، وليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ، والعشر الأُول من شهر ذي الحجة ، ويوم عرفة ، والحج إلى بيت الله الحرام ، والزكاة والصدقة ، والصلاة وأعظم بها من عبادة ، صلةُ العبد بينه وبين ربه ، وهي أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ من عمله ، فَإنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ . فهذا حال من يصلي ، فما حال من لم يصل ، وهل له صلاةٌ حتى تصح ؟
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ـ رضي الله عنه ـ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللّهُ. لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ . فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ . وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ . وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ . فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». رواه البخاري ومسلم .
نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا **وَيُحْزِنُنَا بُكَاءُ الْبَاكِيَاتِ
كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِمُغَارِ سَبْعٍ ** فَلَّمَا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ
صيد الفوائد

